أدب وفن

“بوليانا”.. رواية كُتِبت للصغار ويحتاجها الكبار

إنها رواية بوليانا للكاتبة إليانور بورتر، مواليد عام 1868 في ولاية نيوهامبشير الأمريكية، والتحقت بمعهد نيوانغلاد الموسيقي، وفي عام 1892 تزوجت جون ليمان بورتر، ثم انتقلت إلى ماساشوستس وبعد ذلك بدأت الكتابة والنشر حتى توفيت في كامبريدج 1920.

لم تكن “بوليانا” روايتها الأولى، فقد نُشرت لها عدة أعمال سبقتها مثل “miss Billy” وعدة أعمال أخرى تبعتها، صدرت الرواية في نسختها الإنجليزية عام 1913، وفي عام 1915 أصدرت التتمة باسم “Pollyanna grows up”، وتُرجمت الروايتان للعربية في كتاب واحد العام الماضي من قبل منشورات تكوين ودار الرافين، اللتين يحسب لهما إعادة طبع الروائع الكلاسيكية مجددًا.

حققت الرواية نجاحًا مبهرًا، مما أدى إلى تقديم القصة في فيلم روائي طويل من إنتاج ديزني عام 1960 بطولة النجمة هايلي ميلز، وأُعيد تقديمها في فيلم تليفزيوني عام 2003.

الكتاب الأول

تستقبل الأنسة “بولي هارنغتن” المتحفظة جدًا، خطابًا يخبرها بقدوم ابنة اختها “بوليانا ويتر” من أجل العيش معها، إثر ذلك تجهز الأنسة بولي غرفة العلية للصغيرة الآتية، بعيدًا عنها وبعيدًا عن أشيائها الغالية التي تخشى أن تفسدها الطفلة، تفعل الخالة واجبها فحسب، فأختها تزوجت رغمًا عن رغبة العائلة ورحلت بعيدًا، الأمر الذي لم تنسه الأنسة بولي، مما يظهر في تصرفاتها مع ابنة الأخت، حتى إنها لم تكلف نفسها عناء الذهاب لاستقبالها.

منذ وصولها، لم تكف بوليانا عن الحديث عن السيدة وايت وصناديق المعونة والسيدات المحسنات، كان الملمح الأول لشخصيتها أنها فتاة لا تكف عن الثرثرة، الأمر الذي جعل نانسي الخادمة تقرر أن تكون عرابتها، فهي بالطبع لن تتحمل قواعد الآنسة بولي، لكن بوليانا تفاجئها بما يمكنها فعله، إنها قادرة على تحويل كل الأحداث التعيسة إلى أحداث سعيدة بفضل اللعبة، تلك التي علمها لها والدها يوم أرادت دمية ولكن صندوق المعونات جاء وبداخله عكازين، حينها علمها والدها اللعبة، فقد أخبرها بأن عليها أن تفرح، فعلى الأقل، هي لا تحتاج للعكازين، وكانت اللعبة تغدو أمتع حينما يصعب أن تجد ما يسعدك في الأمر.

عدوى السعادة

الجميع يكره الوعظ وينفر منه، وهذا هو ما لم تفعله بوليانا مع السيدة كرو في بوسطن، تلك السيدة التي تحيا بين أطلال الحزن، ولا تسمح للسعادة أن تدخل بيتها، لكن بوليانا بكل تلقائية ودونما قصد، تجعل البيت المظلم يضيء مجددًا وتتخلى السيدة كرو عن الحزن.

تنتقل عدوى السعادة والرضا من بوليانا إلى كل من حولها، أولهم نانسي التي تتعلم أن تفرح بأن اليوم هو الإثنين لأن أسبوع كامل سيمر قبل أن يأتي الإثنين المقبل، ورجل الحديقة والسيدة سنو، إلى جون بندلتن المتكتم الصامت الذي تقول البلدة إن لديه هيكل عظمي في دولابه، حتى إنه يود أن تنتقل بوليانا للعيش معه، وحتى خالتها التي تساعدها بالنهاية في استرجاع حب حياتها.

وحينما تكبر بوليانا وتصل للعشرين وتخسر خالتها جميع أموالها، لا تتخلى أبدًا عن السعادة والأمل، حتى إذا اشتد الحزن سرعان ما تعود إلى نظرتها الإيجابية.

مبدأ بوليانا

منذ عام 1920 دخلت بوليانا عددًا من القواميس الشهيرة مثل أكسفورد، ويُعني بتلك المفردة “الشخص المفرط في تفاؤله وسعادته”، إذ يدعي هذا المبدأ أيضًا الانحياز الإيجابي، وهو ميل الشخص لتذكر الأشياء الجيدة بدقة أكبر من الأشياء المزعجة، وهذا ما تنادي به دائمًا مناهج علم النفس الإيجابي والتنمية الذاتية، وما يؤكد صلة الأدب الوثيقة بحياة الإنسان وما يخلفه من أثر، فحينما تنتهي من الرواية ربما تنتهج نهج بوليانا لعيش الحياة بنظرة مختلفة عما سبق.

كانت الرواية سلسلة شيقة كعادة الروايات الكلاسيكية دائمًا، كما أن الترجمة الرائعة لبثينة الإبراهيم تشعرك بأن الرواية كتبت باللغة العربية، إنها من نوع الروايات التي تصلح دائمًا لأي وقت، ولن تشعر معها بالضجر، تصلح للأطفال الذي لا يرضيهم شيء، وللكبار الذين لا يرون إلا الجانب السلبي فقط من الحياة وتحولاتها.