غير مصنف

رواية “الساعة الخامسة والعشرون”.. تهشيم مجتمعات الحداثة

“لقد أشرف العالم على دخول ساعته الخامسة والعشرين، وهي التي لن تشرق الشمس من بعدها على الحضارة البشرية أبدًا، والتي لن يحلّ بعدها يوم جديد، إنها الساعة التي سيتحول فيها البشر إلى أقلية عديمة القدرة على التفكير لا وظيفة لها غير إدارة جحافل الآلات وصيانتها وتنظيفها”.

مثل موجات المحيط المضطرب، تتوالى الأحداث في عالمنا بالكثير من العنف والصخب، فكلما بدأنا نشعر بالاستقرار سرعان ما يختل توازن العالم مرة أخرى حتى أضحينا نشعر وكأننا تجاوزنا الساعة الخامسة والعشرين مثل أحداث الرواية التي كتبها قسطنطين فيرجيل جيورجيو قبل سنوات طويلة ليحكي لنا ما شهدته أوروبا من مآسٍ في أثناء الحرب العالمية الثانية.

لكن كما يقول الفيلوس الفرنسي بول ريكور فإن هوية القصة هي التي تكشف بالأساس عن هوية الشخصية، وتُحدد القصة غالبًا ببعديها المكاني والزماني الذي يمنح شخصياتها تلك الهوية، ما نقصده هنا أن ما كتبه قسطنطين في ورايته “الساعة الخامسة والعشرون” لا يمكن تحديده في هوية معينة لأن الفكرة أكثر كونية وأكبر حجمًا ولهذا ستظل هذه الرواية عملًا ممتدًا قابلًا لكل الإسقاطات الممكنة على جميع العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، يشبه الأمر كثيرًا الوضع مع رواية “1984” للكاتب البريطاني جورج أرويل التي وعلى الرغم من سوداويتها تظل عملًا متخيلًا على عكس “الساعة الخامسة والعشرون” الموغلة في واقعيتها.

دلالة العنوان

في كتابه “سوسيولوجيا الأدب” يقول الأديب الفرنسي روبير سكاربيت إن هناك أكثر من ثلاثة آلاف طريقة لارتياد الحدث، أحدها هو العنوان الذي يعد بمثابة الشفرة التي يُفتتح من خلالها النص، وهنا يتبادر إلى ذهن القارئ لماذا أطلق قسطنطين على روايته اسم “الساعة الخامسة والعشرون”؟ وكيف يمكننا تحليل النص عبر هذه الشفرة؟ الحقيقة أنها الساعة الأخيرة التي يصل فيها الإنسان إلى حافة الهاوية حيث الموت يحدق فيه من كل اتجاه ولا يوجد خلاص بعد أن انتهت الأربع وعشرون ساعة دون أن تنجز أي حل للبشرية، إنه اسم رمزي للرواية يعبر عن أقسى حالات المهانة والقهر حيث العالم غارق بشدة في الصراعات السياسية والحروب.

تبدأ أحداث الرواية من إحدى القرى الصغيرة في رومانيا وذلك حين يخبر الشاب يوهان موريتز عائلته عن رغبته للسفر إلى أمريكا لمدة عامين وذلك من أجل جمع المال اللازم لشراء الحقل الزراعي الذي طالما حلم بامتلاكه وليتزوج من سوزانا الفتاة التي يحبها، نراه في الصفحات الأولى من الرواية وهو يختال بين الحقول مفكرًا في حلمه الذي بات قريبًا والحب الذي سيتوج بالزواج.

لكن فجأة ودون مقدمات تنقلب أحداث الرواية رأسًا على عقب حين يستغل رئيس مخفر الدرك فرصة أن اسم يوهان يُطلق على الكثير من اليهود ويقرر وضع بطل الرواية المسيحي على قائمة اليهود المطلوبين للأعمال الشاقة بمعسكرات الاعتقال في رومانيا وذلك لكي تتاح له فرصة الاختلاء بسوزانا حبيبة يوهان.

في تلك الفترة كانت رومانيا واقعة تحت تهديد النظام النازي الألماني ولهذا أُصيب يوهان بلعنة الاسم وأُرسل إلى الكثير من المعتقلات التي تتجاوز حدود رومانيا إلى ألمانيا وهنغاريا وبعض معسكرات الاعتقال الأمريكية التي نتجت بفعل مشاركة أمريكا في الحرب على الأراضي الأوروبية، في ألمانيا عمل يوهان مثل الآلات ورغم اجتهاده التام في عمله كانوا ينظرون له باحتقار قائلين له إنه أقل شأنًا من الآلة، ولاحقًا تم إيداعه في سجن دائرة الجاسوسية وضُرب بشدة وعُذب وذلك حتى عامله أحد الضباط الألمان للمرة الأولى باحترام لاعتقاده بأن يوهان من جنس آري مميز عاش خارج ألمانيا.

تغير مسار الأحداث.. للأسوأ

في لحظة مفصلية مهمة داخل الرواية يقرر الضابط الألماني عرض يوهان على “خبراء الأجناس البشرية النازيين” الذين يقررون أنه بالفعل ينتمي إلى فصيلة نادرة من الأعراق الألمانية النبيلة ويُمنح يوهان الجنسية الألمانية بعد سنوات طويلة من التعذيب كيهودي، ليتم تحويله بعد ذلك إلى سجّان في نفس المعسكر الذي كان يمكث فيه من قبل ويصبح دون أن يدري جزءًا من النظام البيروقراطي النازي الألماني، لا يفكر يوهان كثيرًا في وضعه الجديد ولكن سرعان ما تتحول الأحداث مرة أخرى وتخسر ألمانيا الحرب ويقع يوهان أسيرًا كعدو ألماني بقبضة الحلفاء المنتصرين في مشهد غاية في العبثية.

أولئك الذين يعيشون على الهوامش، هوامش العالم، هوامش الحضارة، هوامش المجتمع، هم المخوّلون برؤية الحقائق المُرّة للعالم

وهكذا قضى يوهان أكثر من 13 عامًا بين المعتقلات دون أن يقترف جرمًا واحدًا، وخلال رحلته الطويلة داخل المعتقلات يصور لنا قسطنطين بشاعة الإنسان الحديث، وكيف أن النظام العالمي لا يعترف أبدًا بالفرد كفرد فقط، إذ لا يهم من أنت ولا وزن أفكارك أو معتقداتك، المهم فقط كيف يصنعك الجمهور وكيف ينظرون إليك وما الكيان الأكبر الذي تنتمي له، وفي حال لم تملك واحدًا سيتم سحقك كالحشرة.

في أحد مشاهد الرواية داخل السجون الفرنسية يخبر يوهان الضابط الفرنسي بأنه ليس يهوديًا ولا ألمانيًا، ليرد عليه الضابط قائلًا: “لقد ظللت قرويًا ساذجًا رغم كل ما مررت به يا يوهان، إنك تعتقد أن أي ضابط يستطيع إطلاق سراح سجين بمجرد الاطمئنان لأنه غير مذنب، إنه حتى مع حدوث أمر كهذا، فإن إطلاق السراح لا يتحقق إلا بناء على أمر الأركان العامة في فرانكفورت، ومن فرانكفورت تُرسل الأوراق إلى واشنطن فيحول القرار منها إلى مدينة ويسبادن، فيتم تشكيل لجنة في مدينة إسلنجن، التي ترسل ما تتوصل إليه إلى برلين، ويُرسل في الوقت إلى هيدلبرج، فلما يصل الأمر إلى هيدلبرج، تُرفع البطاقة الخاصة بالسجين من المحفوظات في مئات من المكاتب حول العالم كما ترى، وعندئذ تكون حرًا بالفعل، هذه معاملات شديدة التعقيد، ولا مجال فيها للخطأ أو المصادفة غير المُتوقعة، إنها آلة عالية تعمل بشكل آلي تلقائي”.

إلى أولئك الذين يعيشون على الهامش

“أولئك الذين يعيشون على الهوامش، هوامش العالم، هوامش الحضارة، هوامش المجتمع، هم المخوّلون لرؤية الحقائق المُرّة للعالم”.. قسطنطين جيورجيو.

يقول الفيلسوف الفرنسي جابريل مارسيل: “لا أظن أن من اليسير إيجاد عمل فني أكثر تعبيرًا عن الوضع المريع الذي تجد الإنسانية نفسها غارقة فيه اليوم مثل رواية الساعة الخامسة والعشرون”، وربما ما كان يقصده مارسيل هنا أن ضحايا هذه الرواية لم يمتلكوا دينًا واحدًا أو وجهًا واحدًا، إذ كان هناك يوهان المزارع الساذج البسيط، والكاهن المسيحي كورجا الذي حاول مساعدة يوهان كما كان هناك أيضًا تريان كورجا المثقف والمصلح الاجتماعي وابن الكاهن الذي انتهى به الأمر منتحرًا في معسكرات الاعتقال، المأساة إذن لا تعرف شخوصها وتصيب الجميع وذلك فور أن يتخلى الإنسان عن إنسانيته.

تنتهي الرواية حين يجلس يوهان مع أليونورا الصحفية الأمريكية التي تقرر كتابة قصته، وبعد اللقاء يطلب المصور من يوهان أن يبتسم ولكنه يرفض ليحدق فيه الصحفي قائلًا ثلاث مرات: “ابتسم.. ابتسم.. ابتسم”، هنا ندرك نحن القراء في نهاية الأمر أن يوهان لم يكن يرفض الابتسام ولكنه لم يعد قادرًا على ذلك، كان هناك جُرح عميق بشدة وصرخة مدوية بداخله تأبى الخروج.